in ,

بلد الأحلام

بلد الأحلام

 أصبحت الهجرة ظاهرة كبرى في مجتمعنا، فقد أصبح عبور الضفة الأخرى حلما بالفطرة لكل صغير و كبير، كما قال نجيب محفوظ :” زمن المبادىء مضي، وهذا زمن الهجرة”، اذ يفضلون التشرد في شوارع باريس بشكل غير قانوني وفي مستقبل مجهول و خطر على العيش الكريم في منزل رفقة أسرتهم التي تتحمل كل الأعباء.  سؤال محير يراودني كل يوم ومجموعة من التساؤلات على رأسها :  مالذي يجعل من المهجر حلما؟

نعرف بأننا نحتاج أسبابا أقسى من العقل والمنطق لكي نبرر الهجرة، أسبابا أكثر انفاعالا، وأكثر سطوة وحضورااا.

 فبعد عدة نقاشات وأبحاث تبين لي أن معظم هذه الأسباب تكون نفسية بالدرجة الأولى أكثر من مادية، اذ معظمهم يفضلون الاشتغال كعمال النظافة أو عمال بمطعم أو مقهى  بالغربة بدل أستاذ بالوطن، والسبب هروبا من ضغط ونظرة الأسرة الصغيرة والكبيرة والمحيط وبحثا عن حرية نسبية أو ما يسمى ببلد الأحلام.

فعلا سؤال محير كان ولا يزال عالقا بذهني، لماذا البلدان العربية تفرض علينا صورة للنجاح؟  اذ وجب أن نكون نسخة لبعضنا البعض. فمثلا  في البلدان العربية كان ولا يزال التوجه الأدبي توجها لمن لا توجه له، باعتباره توجها للكسالى والفاشلين، اذ يحكمون على صاحب التوجه الأدبي بأنه حتما فاشل في الرياضيات، لاسيما أن الآفاق جد محدودة لكونه محصورا في مجال التدريس وأنا شخصيا عانيت مرارا وتكرارا من هذه النظرة المتخلفة والمحدودة من طرف محيطي في المدرسة، فإذا اعتبرنا أن هذه  الفرضيات صحيحة فمن اذن صاحب مهنة القاضي، مهنة المحامي، مهنة الصحافي،  المذيع، الشرطي، المترجم، الوزير، السياسي، المفتش، والمدير…الخ؟ أليسوا أصحاب توجه أدبي ؟؟؟  أليسوا رمزا للنجاح والافتخار؟؟؟

إضافة إلى ذلك لم تسلم الأنثى أيضا من نظرة مجتمعنا لها، فهي مجبرة على الزواج في سن محدد ارضاءا لأسرتها بدلا من اتمام دراستها بالتعليم العالي، ولا ننسى كذلك عامل السن، اذ يعتبر رمز النجاح في مجتمعنا مرتبط  بالتوفر على منزل ,سيارة، عمل قار، و زوج  …الخ.

وكل هذا قبل بلوغ سن الثلاثينيات طبعا وما يخالف هذا القانون فهو يحمل لقب مسكين، فاشل، مسحور وعدة حيتياث وما خفي كان أعظم. مجتمع تغلبت عليه معالم المظاهر بامتياز، ومنه فإن هذا ان دل على شيء فانما يدل على أننا لا زلنا نعاني من أفكار رجعية محدودة  ومتخلفة في مجتمعنا الحالي رغما عنا ورغم تقدمنا، إلا أنه لازالت لدى بعضنا أفكار لا تمت للتقدم بصلة. فكم في الدنيا من اسفار أطول أمدا وأبعد شقة، إنما روعة الهجرة أحيانا أنها عقيدة وتضحية وفداء وكفاح وإصرار غريب على مغاضبة الدنيا الثائرة الحاقدة المخادعة والفراق نار ليس لها حدود، لا يحسه إلا من اكتوى بناره فرفقا بابناء وطننا الحبيب .

وقد تكون الهجرة أقل حدة من تفشي صراعات ونقاشات حادة بشكل مستمر ينتج عنها عنفا لفظيا ومعنويا لكلا الطرفين وعدوانية مما يؤدي أحيانا إلى الجريمة. تتفاقم الأسباب وتتراكم لتصبح الحياة جحيما لا يطاق، حينها يصبح الفرار الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة. وكلها اسباب تدفع الناس إلى النفور والسعي نحو عبور الضفة الأخرى بأي شكل من الأشكال بغية بناء حياتهم في مكان آخر ولو كلّفهم الثمن غاليا.

ولا يمكن أن ننكر بتاتا أن هناك من يهاجر بهدف تأمين عيش كريم ورغد له ولأفراد أسرته نظرا لعدم توفر فرص الشغل ولنقص ثمن اليد العاملة إضافة لعدم توفر الخدمات الأساسية العامة بشكل كاف كقطاع الصحة والتعليم والأمن …. الخ، وما إن يصلوا إلى الضفة الأخرى  إلا وتتلاشى كل الصور الجميلة على البلد اذ يتعذر عليهم غالبا الحصول على سكن ويتعرضوا في أقل مشكل للاستغلال الابتزاز بالرجوع للوطن إضافة إلى العنصرية والأثمنة الباهضة.

فكم في الدنيا من أسفار أطول أمدا وأبعد شقة، إنما روعة الهجرة أحيانا أنها عقيدة وتضحية وفداء وكفاح وإصرار غريب على مغاضبة الدنيا الثائرة الحاقدة، والفراق نار ليس لها حدود، لا يحسه إلا من اكتوى بناره، فرفقا بأبناء وطننا الحبيب.

بقلم ايمان اهياض

Avatar for ايمان اهياض

كُتب بواسطة ايمان اهياض

التعليقات

اترك رد
  1. مقال جيد جدا, لكن حبذا لو تعمقتي اكثر في الحيتيات التي سبق ذكرها مع ذلك يبقى المقال جيدا لكونه صورة مصغرة عن ما يعيشه الشباب بالبلد تحياتي انسىة ايمان

اترك تعليقاً

Avatar for ايمان اهياض

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Loading…

0