in

مغالطة الرنجة الحمراء: شرح بسيط مع بعض الأمثلة

مغالطة الرنجة الحمراء

هل سبق وكنت تناقش موضوع مع شخص ما، وحاول هذا الشخص التهرب من مناقشة موضوعك بطرحه فجأة لموضوع آخر ؟ حسنا ربما قد يكون هذا الشخص ارتكب مغالطة الرنجة الحمراء ، وسنقوم في هذا المقال البسيط بشرح هذه المغالطة المشهورة والتي تتكرر في العديد من الأحداث، سواء في النقاشات الرسمية أو المحاضرات، أو مجرد دردشة مع الأصدقاء حول موضوع معين.

وقبل أن نخوض في شرح هذه المغالطة، علينا أولا أن نعطي تعريف بسيط للاسم الذي أطلق عليها، فهو اسم غريب أليس كذلك ؟

ما هي مغالطة الرنجة الحمراء ؟

الرنجة حسب معجم المعاني هي نوع من الأسماك، أما الحمراء فهو لون هذه السمكة، وبدون الدخول في تفاصيل نوع هذه السمكة وأين تعيش أو من أي عائلة تنتمني، لأن هذا لا يهمنا في فهم هذه المغالطة، فسنوضح فقط الخاصية التي تتميز بها هذه السمكة.

كانت هذه السمكة مفضلة لدى المجرمين أكثر ما هي مفضلة لعامة الناس، فقد كان المجرم عند هروبه من السجن ومن الشرطة، يضع كمية من هذه السمكة في مكان معين، ثم يهرب في اتجاه معاكس، والسبب في ذلك يعود إلى أن رائحة هذه السمكة تضلل كلاب الشرطة على تتبع رائحة المجرم، متلهفة لرائحة الرنجة الحمراء بدلا عن ذلك، وبالتالي فعند وصول رجال الشرطة إلى المكان التي تقودهم إليه الكلاب، لا يجدون سوى أسماك الرنجة الحمراء، ويكون المجرم حينها قد فر بمسافة بعيدة عن الشرطة.

ربما قد نجحت العديد من عمليات الفرار بواسطة استخدام سمكة الرنجة الحمراء، ولكن طبعا استخدام هذه الخدعة اليوم أصبح أمرا مضحكا، خاصة أننا لم نعد نعتمد بشكل رئيسي على كلاب الشرطة من أجل القبض على الفارين من العدالة، فلدينا اليوم تقنيات جد متطورة لفعل ذلك.

أما في مغالطة الرنجة الحمراء فالأمر لا يختلف كثيرا، حيث قد تنجح هذه المغالطة في الهروب من الموضوع المطروح، وقد تنجح للعديد من الأشخاص، اعتمادا على معرفة الخصم بهذه المغالطة أو بتركيزه على الموضوع المطروح.



تفسير مغالطة الرنجة الحمراء

إذن فمغالطة الرنجة الحمراء هي الهروب من الموضوع المطروح، ويتم ذلك بوضع سمكة رنجة حمراء تضلل الكلاب. قد تكون كلمة الكلاب تشبيها سيئا، لكن علينا أن نركز على كلمة “تضليل” بدل كلمة “تضليل الكلاب”.

يتم الهروب من الموضوع بالعديد من التقنيات والخدع، لكن ما يهمنا في مغالطة الرنجة الحمراء هو تقنية التضليل، فمستخدم المغالطة لا يهرب من الموضوع بطرحه لموضوع آخر وحسب، وإنما يحاول بذكائه أن لا يظهر أنه غير من الموضوع، كما حدث بالظبط مع المجرم الذي هرب من السجن بوضعه لسمكة الرنجة الحمراء وتضليل الكلاب.



تقنيات يتم استخدامها للهروب من الموضوع

يتم استخدام العديد من التقنيات من أجل التهرب من الموضوع وتغييره نحو موضوع آخر، وغالبا ما تكون هذه التقنيات مرفقة لبعض المغالطات الأخرى التي سبق وقد شرحناها من قبل، فمثلا قد يتم الهروب عن الموضوع بتزوير وتشويه كلام الشخص، وتسمى هذه المغالطة مغالطة رجل القش، وقد يتم أيضا التهرب من الموضوع عن طريق شخصنة الشخص، أي أن يتم تشوييه سمعته وصورته سواء بمعلومات صحيحة أو خاطئة عنه بهدف الحط من قيمته أو التهرب من مناقشة الموضوع المطروح.

في مغالطة الرنجة الحمراء سنركز على أذكى السيناريوهات وهو التهرب من الموضوع بدون استعمال أية مغالطة منطقية أخرى، ويطلق على هذه التقنية اسم “التضليل“.

تقنية التضليل

التضليل هو تغيير الموضوع استنتاجا من الموضوع المطروح نفسه، وكي نفهم هذه التقنية بشكل جيد، فمن الأفضل طرح بعض الأمثلة:

لنفترض أن شخصين في حوار رسمي يتناقشان حول موضوع “الإجهاض”.

ربما قد أظهر بهذا المثال شيئا من الانحياز لأفكاري، ولهذا سأتطرق لوضع مثالين مختلفين لنفس الموضوع، فالأهم من هذين المثالين هما فهم مغالطة الرنجة الحمراء لا أكثر ولا أقل.

المثال الأول سيكون معارضا لفكرة الإجهاض بينما المثال الثاني سيكون مؤيدا لفكرة الإجهاض.

المثال 1

لنفترض أن شخصين مختلفين في الرأي، ولنقل على سبيل المثال: الشخص A صحفي في مجال معين، والشخص B مواطن عادي يناضل ضد فكرة الإجهاض.

الحوار بعد عدة دقائق من النقاش، قام الشخص A بطرح عدة أسئلة على الشخص B حول لماذا يناضل ضد فكرة الإجهاض ولماذا هو ضد الإجهاض … الخ، وقد قام الشخص B بالإجابة على كل أسئلته بحججه وأفكاره الخاصة … والآن لناشهد تكملة الحوار لتعرف كيف سيتغير الموضوع باستخدام تقنية التضليل:

الشخص A: نعلم أنك ضد الإجهاض، لكن يا فلان B، عندي هنا بعض الإحصائيات التي يجب أن نتكلم عليها أيضا، وهي مهمة في نقاشنا هذا (يقوم الشخص A بجلب بعض الإحصائيات الموجودة فعلا)، تمت هذه الإحصائيات في بعض البلدان الفقيرة، خاصة في جنوب افريقيا، وتوصلوا إلى نتيجة تقول أن في كل دقيقة تقريبا يموت 5 أطفال بسبب الفقر والمجاعة، هذا يعني أننا الآن ونحن نناقش هذا الموضوع، فسيموت 5 أطفال في جنوب افريقيا !! والسبب هو الفقر والمجاعة، وكي لا تقول أن هذه الاحصائيات لا تخصنا نحن في الدولة X، فلدي أيضا إحصائيات دولية، تقول أن عدد الأطفال اليتامى تجاوز 50 ألف هذا العام، كما أن عدد الأطفال الذين ماتوا هذا العام بسبب الفقر والمجاعة ارتفع بنسبة 2 % مقارنة بالعام الماضي، لتكون الحصيلة الرسمية، وأقول الرسمية لأن العدد قد يكون جد كبير، والعدد هو 20 ألف طفل !!، أتعي بهذا العدد يا شخص B، أليس علينا أن نهتم بهؤلاء الناس أولا، وأن نحاول حل هذا المشكل؟

بهذه التقنية، وطرح حجج صحيحة كإحصائيات حقيقية فعلا، قد يتم تغيير الموضوع المطروح من مناقشة الإجهاض إلى مناقشة الفقر والمجاعة وسبب موت الأطفال الصغار … الخ.

في مثل هذا التضليل، قد يقوم الشخص B، بمسايرة النقاش دون أن يعي أن الموضوع قد تغير فعلا، لكن لو كان ذكيا بما فيه الكفاية، فقد يكشف عن مغالطة الرنجة الحمراء ولفعل ذلك كل ما عليه فعله هو أن يدحض كل ما قاله الشخص A وأن يقول مثلا:

الشخص B: نعم لقد سبق واطّلعت على هذه الاحصائيات ويؤسفني حصول هذا، سواء لأطفال بلادنا أو لأطفال البلدان الفقيرة، وأتمنى فعلا أن تقوم الجهات المسؤولة بواجبها للتصدي لمثل هذه الظواهر التي غالبا ما يكون سببها الفقر والمجاعة أو سوء الصحة، لكن أستسمحك يا شخص A، فأنا جأت هنا لأناقش موضوع الإجهاض، وهذا طبعا لا يعني أنني لا أهتم لهذه الإحصائيات، وإنما كل ما في الأمر أن هذا موضوع آخر، وربما قد نخصص له لقاء آخر لمناقشته.

في هذه الحالة، قام الشخص B بإنقاذ الوضع، وسدد ضربات مضادة للشخص A، وإذا حاول الشخص A مرة أخرى تغيير الموضوع فسيتم إحراجه، وسيظهر مظهر الخاسر في النقاش أو المتهرب.



المثال 2

الآن لنفترض العكس، ولنترك كل شخص بدوره مع تغيير في السيناريو لا أكثر. الشخص X صحفي في مجال معين، والشخص B ناشط حقوق ويؤيد فكرة الإجهاض.

سأترك تقريبا نفس السيناريو مع تغيير الفكرة المطروحة ألا وهي تأييد فكرة الإجهاض، ولنفترض أن النقاش قد مرت عليه بضع دقائق الآن، وقد قام فيها الشخص A الصحفي بطرح أسئلة عن لماذا يؤيد الشخص B فكرة الإجهاض، ولنفترض أن الشخص B قام بإجابته على هذه الأسئلة بحججه وبأفكاره الخاصة. والآن لناشهد تكملة الحوار لندرك كيف سيحاول الشخص A مرة أخرى بمحاولة لتغيير الموضوع:

الشخص A: نعلم أنك تؤيد فكرة الإجهاض، وأنك تناضل من أجل إلغاء القانون الذي يمنع الإجهاض، ولكن يا شخص B، عندي هنا بعض الإحصائيات المهمة والتي علينا إرفاقها في هذا النقاش (يقوم الشخص A بجلب بعض الإحصائيات فعلا وهي احصائيات حقيقية)، تقول آخر الاحصائيات، وهي احصائيات دولية، أن العنف الزوجي ارتفع بنسبة 3 % مقارنة بالعام الماضي، وقد بلغ عدد الشكايات، وهذه فقط الشكايات فما بالك باللواتي لم يستطعن إجراء شكاية، بلغ العدد 60 ألف شكاية، وهو عدد جد كبير، ومؤسف أن نرى أن 60 امرأة تعرضن للعنف من قبل أزواجهن. ومعي هنا أيضا احصائيات أخرى تقول أن 2000 امرأة، وربما يجب أن أقول بنت، لأنهم كانوا قاصرات وقد تم تزويجهن غصبا عنهن. ألا ترى يا شخص B، أن مثل هذه القوانين هي أولى في النضال، وأن عليك كشخص حقوقي بدل تأييد فكرة الإجهاض، أن تناضل أولا من أجل هؤلاء النساء ؟

نفس الشيء في المثال 1، قام الشخص A بمحاولة تغيير الموضوع من فكرة تأييد الإجهاض إلى مناقشة العنف الزوجي وزواج القاصرات، والقوانين التي تسمح بذلك … الخ.

قد يعتقد البعض أن الموضوع لم يتغير، وأن موضوع الدفاع عن حقوق المرأة هو نفسه موضوع تأييد الإجهاض، لكن في الحقيقة فالموضوعين مختلفين تماما، حتى وإن كانا يتطابقان في نسبة كبيرة.

ومن أجل أن ينقد الشخص B الوضع الراهن وهو تغيير الموضوع، فكل ما عليه فعله هو تذكير الشخص A أن الموضوع المطروح هو الإجهاض، وأن عليه أن يظل في هذا الموضوع دون محاولة التضليل أو التهرب. وقد يجيبه قائلا:

الشخص B: كشخص حقوقي ومناضل لحقوق الإنسان والمرأة، فأنا على علم مسبق بهذه الإحصائيات، وسبق وناضلت من أجل إلغاء هذه القوانين في الكثير من مقالاتي والمؤتمرات والندوات التي أحضر فيها، لكنني أستسمحك، فالموضوع الذي جأت لمناقشته معك اليوم هو موضوع الإجهاض، وهذا لا يعني طبعا أنني أتجاهل حقوق المرأة أو العنف الزوجي أو عنف القاصرات، وإنما فقط علينا وضع كل موضوع في سياقه الخاص.

وبهذا لقد قام الشخص B بكشف مغالطة الرنجة الحمراء وإعادة الموضوع إلى ما كان عليه، وهو فكرة الإجهاض.

قد تستنتج من المثالين أن استخدام مغالطة الرنجة الحمراء قد تتم ليس فقط بالهروب العشوائي من الموضوع إلى موضوع آخر، فالتقنية المستخدمة هنا هي التضليل، وقد تلاعب الشخص A بالكلمات بشكل جيد، فهو لم يتكلم من فراغ، وإنما أحضر معه إحصائيات حقيقية وحاول بها تغيير الموضوع.



كيف تكشف عن مغالطة الرنجة الحمراء

بكل بساطة، إسأل نفسك هذا السؤال ” هل ما زلنا نناقش الموضوع المطروح حاليا ؟ ” إذا كانت الإجابة بلا، فحتما أنت ضحية مغالطة الرنجة الحمراء وقد تم تضليلك على الموضوع الأصلي دون شعورك بذلك، أما إذا كانت الإجابة بنعم، فعليك إكمال نقاشك بطرحك لأطروحاتك وآرائك.

غير هذا، فتركيزك على الموضوع هو الحل الوحيد لبقائك في الموضوع وعدم التشتيت بطرح الشخص الآخر لأي رأي مخالف، محاولا منه تغيير الموضوع أو الهروب من النقاش فيه.

Avatar for فكر حر

كُتب بواسطة فكر حر

التعليقات

اترك تعليقاً

Avatar for فكر حر

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0