in

إعادة الضبط الروسي

أسامة الطرالبسى

هناك غرابة فى علاقة المواطن الأمريكي العادي بالسياسة بوجه عام، والقائمة في الأساس على مبدأ دع ما لقيصر لقيصر طالما قيصر يقدم وعودا” بخدمات أكثر للمواطن الأمريكي من ناحية، ومن ناحية أخرى طالما هو يلون خطباته بتلك العبارات البرّاقة المرنة عن حقوق الإنسان وحريتة التي بمقتضاها يبرّر أفعالا كثيرة كتدمير بلدان حول العالم أمثال العراق أو أفعانستان وغيرهم كثير. وعندما أتحدث مع أصدقائى من الطرف الأخر من العالم عن السياسة العالمية أو حتى الأمريكية على مستوى العالم قد تبدو الحقائق صادمة لكثير منهم.

ولعل أبرز تلك القضايا هو الصراع الأمريكى الغربي الروسي، ومدى إمكانية روسيا أو إستطاعتها في أن تتقدم خطوة فى هذا الصراع الحالي فى آسيا الوسطى أو في بحر الصين ومدى النفوذ الروسي داخل الإدارة الأمريكية الحالية.

لعل الرأي العام الأمريكي لا يخلو من عبارات وشعارات ما هي إلا ترديد لشبكة الإعلام، ولكن من منظور من يرى العالم من موقعه في الشرق الأوسط أو بالأصح من قلب الصراع لوجد الأمور مختلفة.

والمدهش فى الرأي العام الأمريكي أنه لا يقرأ ليس فقط ما بين السطور من مذكرات قادتهم وسط حجم الدعاية الإعلامية التى تنظر للصراع الأمريكي الروسي على أنه صراع حقيقي وأن أمريكا تمتلك زمام الرد فيه، بل أن تلك الوسائل الإعلامية إستخدمت ذلك الصراع لتظهر أن السبب فى زيادة النفوذ الروسي كانت من خلال ممارسات ترامب مع الدب الروسي. ولكن المضحك أن من يصدر تلك الأقاويل هم أنفسهم من أعادوا ضبط العلاقة الأمريكية الروسية ولكن بدلا من أن يستتروا، هم الأن يصيحون ويشيرون بأصابع الإتهام إلى غيرهم من أجل تضليل الجميع.

الحقيقة أن الروس الآن هم من أعادوا ضبط الإدارة الأمريكية، بل في الحقيقة أن وإن بدت مزحة دبلوماسية ولكن هيلاري كلينتون إعترفت بشكل رسمي في مذكراتها التى تحمل عنوان خيارات صعبة بأنها ـ وإدارة أوباما ـ كانوا أصحاب مشروع أمريكي لإعادة الضبط للعلاقة الروسية، وبمزحة أشارت بأنها أهدت وزير الخارجية الروسي زر أحمر لإشارة لكونة زر إعادة الضبط فى أول لقاء لها كنوع من أنواع المزحة الدبلوماسية، ولكن الحقيقة وراء هذا الكلام وما سنراه فى مذكراتها، بأن بوتين إستطاع أن يغير وجهه ويجلس مع الأمريكان بوجه مختلف فى أكبر عملية نصب روسية للولايات المتحدة منذ الحرب الباردة.

وما فعله بوتين هو أنه خرج من السلطة أعواما تاركا الكرسي لأحد أعوانه وهو الرئيس مدفيديف الذي ظهر للأمريكان بأنه شخص سهل المنال، وخلال فترة رئاسته وكما سنرى، تم إعادة ضبط النظام وكانت أهم تلك المحطات هي مشروع سلوكوفا التكنولوجى وحتى إنتهى الروس من إعادة الضبط بالكامل ظهر بوتين مجددأ وفي يداه ذلك الزر يلوح به بإنه يمتلك مفاتيح كل شيئ من أجهزة كمبيوتر وحتى رسائل إلكترونية سرية.

بل كما جاء فى مذكرات هيلاري كلينتون حين قالت “وقد إعتقدت والرئيس أوباما عام 2009 أن في وسعنا تحقيق المصالح الوطنية الأمريكية الرئيسة مع روسيا، باعتماد نهج يقوم على ثلاثة عناصر: إيجاد مجالات محددة للتعاون حيث تلتقي مصالحنا، البقاء على موقف ثابت حيث تختلف مصالحنا، والإنخراط المستمر مع الشعب الروسي نفسه، وأصبح هذا النهج يعرف بإسم “إعادة الضبط”.

وكانت أولى مجالات التعاون هو إنشاء ممر للتكنولوجيا العالية فى روسيا على غرار السليكون فالي فى الولايات المتحدة، بل وإقترحت بترتيب زيارة لأمريكا لمعاينة الموقع وذلك ما حدث فى عام 2010 وخمن ماذا حدث؟ تم إنشاء Skolkovo عام 2010 وهو أهم مشروع تكنولوجي فى العالم، وتبع ذلك فى مجالات التعاون أيضا تسهيل عملية الإمداد للقوات الأمريكية فى أفغانستان وأصبحت المصالح مشتركة بينهما والتى أدت إلى دخول روسيا في منظمة التجارة العالمية.

ولكن بعد ذلك تعترف أيضا فى مذكراتها بأسلوب دبلوماسي بأنها كانت خدعة وأن الروس قد إحتالوا عليهم بل قالت “وقد أصب بخيبة أمل مريرة، أولئك الذين توقعوا أن يفتح نهج إعادة الضبط حقبة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا ترتكز على حسن النية.”

ونلاحظ إستخدماها لكلمة أولئك ولم تقل نحن.  كما لو أنها تُبرِّئ ساحتها من كونها عرابة المشروع منذ بدايته، وأنها ساعدت روسيا على تطوير مشاريعها التكنولوجيا وساعدتها على التمدد فى آسيا الوسطى ودخول جزيرة القرم مقابل السماح للقوات الأمريكية للعبور. وكل تلك الترتيبات كانت بمساعدة تنفيذية من وليام بيرنز الذي كان يعمل أثناء إدارة أوباما بمنصب سفير للولايات المتحدة الأمريكية في روسيا، ولا نندهش إن أوضحنا أنه قد تم تعيينه فى إدارة بايدن مؤخرا ” مديرا” لوكالة الإستخبارات الأمريكية، وهذا ما يؤكد أن أمريكا تعرضت ومازالت تتعرض لأكبر إختراق أمني فى تاريخها، ومما يؤكد بأن كل التهديدات الأمريكية لروسيا هي من مجرد الحفاظ على ماء الوجه لبايدن وإدارته الديمقراطية التي اشترك فيها بنفسه من قبل في إعادة الضبط، بل قال في مؤتمر الأمن فى ميونيخ “لقد حان الوقت للضغط على زر إعادة الضبط وإعادة النظر فى المجالات الكثيرة حيث يمكننا العمل مع روسيا ويجب علينا العمل معا”.

هكذا تم التنازل لروسيا عن شرق أوروبا لمساعدة الإدارة الأمريكية الديمقراطية في أفغانستان وبلدان إسلامية فى منطقة البلقان كنوع من أنواع التسهيل للمخطط في التحالف مع الإسلام السياسي الدولي ومدّ أذرع تلك المنظمات في الشرق الأوسط أو في شرق أوروبا ذات الغالبية الإسلامية. ولكن كل ذلك فشل بعد تصدي النظام المصر لذلك المشروع التي كانت مصر السبب الرئيسي لإجهاضه. وما تبع ذلك من تفاهم بين الرئيس المصري السيسي والرئيس ترامب حول تصفيه الجماعات الإسلامية والإرهاب، ولكن بايدين وإداراته تحاول إعادة الكره مجددا”، ولكن عن ماذا سيتنازل تلك المرة؟!!!!

أثبت تقرير السدود الذي صدر مؤخرًا بعنوان The Durham Report أن هيلاري كاذبة ودفعت مقابل المعلومات التقنية، بينما اتهمت روسيا وترامب بعد سنوات قليلة فقط من إطلاقها Skolkovo. إنها إعادة تعيين مثيرة للسخرية، على عكس ما توقعناه. ينص ملف دورهام على أن جوفي كلف مجموعة صغيرة من الباحثين الجامعيين باستخراج بيانات الإنترنت لإنشاء “استنتاج” و “سرد” يربط ترامب بروسيا. قال دورهام إنه من خلال القيام بذلك، كان جوفي “يسعى لإرضاء بعض الشخصيات المهمة”. ووفقًا لدورهام، حدد جوفي هؤلاء الشخصيات المهمة كأفراد في شركة سوسمان للمحاماة، بيركنز كوي، وحملة كلينتون.

قدّم المستشار الخاص جون دورهام، الذي يحقق في أصول تحقيق مكافحة التجسس ضد حملة دونالد ترامب، في وقت متأخر من يوم الخميس ردًا على اقتراح محامي حملة هيلاري كلينتون السابق مايكل سوسمان لشطب 6 فقرات من قضية دورهام ضده. قدم سوسمان اقتراحًا (Pdf) في 14 فبراير لحذف 6 فقرات تشكل قسم “الخلفية الوقائعية” في ملف دورهام في 11 فبراير. وزعم ملف دورهام أن مساكن ترامب والبيت الأبيض قد تم التجسس عليها من قبل مسؤول تنفيذي تقني متحالف مع الحزب الديمقراطي، والذي تم تحديده في التقارير على أنه رودني جوفي.

المصادر:

موقع theepochtimes

Avatar for أسامة الطرابلسى

كُتب بواسطة أسامة الطرابلسى

التعليقات

اترك تعليقاً

Avatar for أسامة الطرابلسى

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Loading…

0