in

مشاكل التاريخ في الوطن العربي بين تغييره وعدم تقبل مشاكله

مشاكل التاريخ في الوطن العربي

قدم القرآن نظرة للتاريخ تقوم على فصل قطعي بين الماضي الماقبل إسلامي وبين مرحلة النبوة والوحي، مميزا بين مرحلة الظلمة والشرك ومرحلة النور والإيمان، فالتاريخ كله بهذا المعنى عبارة عن صراع بين حزب الله وحزب الشيطان، بين الخير والشر، وتفاصيل هذا الصراع يحرك خيوطها الغيب، وليس الواقع التاريخي، ولهذا لا ينفصل التاريخ عن الغيب في الوعي الإسلامي، حيث يعتبر الإسلام غاية إتجه إليها التاريخ، وببلوغها يصل التاريخ إلى نهايته.

فالرسالة المحمدية، رسالة خاتمة لكل الأديان ولهذا لم يستطع الفقهاء والمؤرخون المسلمون أن يفصلوا بين تاريخ الشعوب والدول، وتاريخ الغيب والرسالات السماوية، فالتاريخ عندهم يبدأ بخلق العالم، ثم بقصة آدم، وقصص الأنبياء ومعجزاتهم التي فُهِمت على أنها أحداث تاريخية تتجه كلها نحو لحظة المبتغى، لحظة الوحي الإسلامي.

هذه الفكرة التي لم يستطع المسلمون أبدا تجاوزها، أو تصحيحها، أدت بهم إلى الوقوع في مشكلتين كبيرتين:

الأولى تتمثل في رفض الحضارات القديمة والاستهانة بها، ما يفسر استمرار تجاهلهم لها، بل وتخريب آثارها عند أول فرصة سانحة، وقد أكد جميع فقهاء الإسلام، عدم جواز النظر في الكتب الدينية الأخرى غير القرآن ما دام هو خاتم الرسالات، كما أحرق المسلمون في غزواتهم المكتبات القديمة في كل من مصر والفرس والهند، وقد برر عمر بن الخطاب ذلك حسب ابن خلدون، بكون القرآن يغني عما فيها، سواء كانت تخالفه أو تطابقه.

والمشكلة الثانية التي وقع فيها المسلمون، هي عدم القدرة على تقبل التطورات المتلاحقة التي عرفتها الحضارات البشرية التي جاءت بعد الإسلام، سواء في العلوم أو المعارف والفلسفات والاكتشافات والنظم الاجتماعية والقانونية، معتبرين أن الإسلام غير قابل للتجاوز، مما أدى بهم إلى تبخيس الفكر الإنساني والتجارب الحضارية الكبرى بما فيها ثمرات الحداثة، فالاسلام أفضل مما قبله وينبغي أن يكون أيضا أفضل من كل ما بعده، هذه الفكرة جعلت المسلمين في حرب يومية ضد التطور والتغيير معتبرين إياه خطرا على الدين الذي يصلح لكل زمان ومكان في اعتقادهم.

وكان من آثار هذه النظرة اظطهاد المسلمين لجميع من حاول تأسيس دين جديد، حيث حاربوا المتنبئين ومازالوا إلى اليوم باظطهادهم للبهائيين والأحماديين والدروز والإيزيديين، وكل الديانات التي جاءت بعد الإسلام. هكذا صار الإسلام معيارا للماضي والحاضر والمستقبل، نهاية وبداية في نفس الوقت، نهاية لأنه اعتبر قمة اتجاه التاريخ نحو الأعلى، نحو القمة، وبداية لأنه يفتتح عهدا جديدا يحدث فيه قطيعة مع ما قبله، لكن كلما ابتعدنا عن لحظة الوحي والدعوة كلما شرعنا في النزول حيث تصبح الأمور أسوأ وأقل قيمة مما كانت عليه، ما يفسر النظرة الماضوية المهيمنة، وسوف يندهش المرأ عندما يكتشف لذا المسلمين اليوم أفكارا وتصورات تفتقر إلى الحد الأدنى من المعقولية والموضوعية، وماذلك إلا لأنهم ينظرون إلى كل شيء بمنظور الدين الذي يعتبر البداية والنهاية، وبالتالي الإطار المرجعي الأول والوحيد الذي يحضى عندهم بالتقديس والمقبولية، بينما انتقلت شعوب العالم المتقدم، من التفكير الديني إلى التفكير العلمي، الذي هو الباب الواسع لدخول عالم الحداثة.

إن هذه النظرة التي تقرأ التاريخ بدئا من الدين، تجعل الدارس يكتشف أيضا، أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ضرب حصار على كل المجالات المعرفية والإبداعية التي كانت تبدوا غير قابلة للإنتظام داخل هذا التصور، فقد عجز المسلمون عن فهم التطورية في العلم، وكيف انتقلت الأحياء من حال إلى حال، حيث تحول دون ذلك نظرية الخلق الدينية.

عجزوا أيضا عن فهم الدروس الأنتروبولجية، لأن قصة آدم وبداية الخليقة بالمنظور الديني تسيطر على أفهامهم، كما عجزوا عن استيعاب التحولات التاريخية التي عرفتها مجتمعاتهم ومجتمعات جيرناهم، كما لم يفقوا في فهم قوانين الكون وطبيعة موجوداته، يفسر ذلك إنتقائهم الشنيع من العالم ستيف هوكينج، بعد رحيله، حيث كالوا له من الشتائم والقذف الشيء الكثير، لأنه لم يتبث لهم بعلمه أفكارهم الدينية، بل على العكس من ذلك، خيب آمالهم بقوله ـ وهو أكبر علماء عصرنا ـ إن الانسان كائن حر له الحق في أن يؤمن بما يريد، وأن فكرة وجود حياة أخرى وجنة ونار هي أفكار خلقها الإنسان، لكنها تمثل عزاء للذين يخافون من الظلمة ومن النهاية.

هذه النظرة الدينية التي هيمنت على التاريخ، جعلت المسلمين أيضا يقرؤون تاريخهم بإنتقائية بعيدة عن الموضوعية، فلأسباب دينية، امتنعوا عن البحث في أحداث معينة والتحقيق فيها، ومن أجل تكريس العقيدة، سكتوا عن أشياء كثيرة حتى اكتظت حياتهم الثقافية بالطابوهات والمحرمات، وللحفاظ على قدسية الشخصيات الدينية، غيبوا جوانبها التاريخية وصورها الحقيقية، وصنعوا لها صورا نمطية تتم إشاعتها عبر التعليم والتربية وقنوات الإتصال، وتناقل الخبرات والمعارف، بل إنهم منعوا تشخيصها في الأفلام والمسلسلات، حتى لا يتم خدش الصور النمطية التي رُسِّخت في أذهان الناس، لأن ذلك يحطّ من قيمتها حسب رأيهم.

وبسبب ارتباط الدولة بالدين، قامت بتسييج مجال البحث التاريخي ومراقبته، مما عرقل البحث العلمي في هذا المجال، وحوّله إلى حقل ملغوم.

لقد اعتذرت الكنيسة لأكثر من مرة بسبب اكتشاف معارف جديدة تلغي الأوهام وتنفي الأفكار الشائعة التي لا يسندها العلم ولا تدعمها الحجج والبراهين، أما المؤسسة الدينية للمسلمين فلا تعتذر أبدا، رغم كل التناقضات التي انكشفت وكل الحقائق التي تعلن بين الفينة والأخرى، وهو أمر إن كانت له من دلالة، فهي أن استمرار ارتباط الدين بالسلطة في عالم المسلمين، يجعل التاريخ مجالا تحت المراقبة والحراسة المشددة.

Avatar for فكر حر

كُتب بواسطة فكر حر

التعليقات

اترك تعليقاً

Avatar for فكر حر

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Loading…

0