in

مغالطة رجل القش: شرح مبسط مع بعض الأمثلة التوضيحية

مغالطة رجل القش

سبق وتحدثنا في مقال سابق عن المغالطات المنطقية المشهورة، وقد أشرنا طبعا إلى مغالطة رجل القش لأهميتها ولمدى انتشارها في أوساط النقاشات أو المقالات أو الفيديوهات وغيرها … في هذا المقال سنتعمق قليلا في هذه المغالطة وسنضيف توضيحات مهمة لم نذكرها سابقا، كما أننا سنشير إلى بعض الأمثلة للتوضيح أكثر ولسهولة الفهم والاستيعاب.

تدل كلمة “مغالطة” حسب معجم المعاني إلى الاستدلال الزائف، كما أن كلمة مُغالِط تعني المراوغ والبارع في الجدل، أما كلمة “رجل القش” فتعني ذاك الرجل الذي لا وجود له والذي صنعه البشر من أجل إخافة الحيوانات والطيور من الاقتراب إلى الحقول والمحاصيل، وهو رجل مصنوع من القش لا أكثر أي أنه رجل زائف وغير حقيقي.

وبالتالي فمغالطة رجل القش تعني استدلال زائف برجل قش غير موجود، أي بحجج أو معلومات أو آراء غير موجودة ولم يقم المحاور الخصم بطرحها على الإطلاق.

يقوم مرتكب هذه المغالطة بتزوير المعلومات والأطروحات والحجج، ثم يبدأ في مهاجمة المعلومات المزورة على أنها المعلومات الأصلية والحقيقية، وبالتالي فيعتقد المُتلقّي أن هذه المعلومات المزورة هي المعلومات الأصلية.

وبصيغة أخرى، يقوم مرتكب المغالطة بصنع رجل من القش ثم يعاركه باللكمات معتقدا أنه يعارك شخصا حقيقيا.



مثال 1: مغالطة رجل القش في التلاعب بالكلمات

لنفترض أن شخصين يتحدثان عن موضوع الإجهاض وهل هو فعلٌ جيد أو غير جيد.
Y: المؤيد للإجهاض.
X: المعارض للاجهاض.

الآن لنفترض أن Y قال أن الإجهاض هو أمرٌ متروك للمرأة وليس لنا الحق في التدخل، وعلينا أن نراعي حق هذه المرأة في أن تقوم بالإجهاض، لأنها المسؤولة عن جنينها ولكل شخص وظروفه في الحياة.
والآن لنفترض أن X المعارض للاجهاض قام بانتقاد كلام Y قائلا:
أنت قلت أن المرأة لها الحق في الاجهاض، وبالتالي فهذا يعني أنك تؤيد فكرة قتل الإنسان، كيف لك أن تُحرض على قتل إنسان بكل هذا الدم البارد، إن الإجهاض يعني القتل، والقتل هو فعل غير مرغوب فيه وبطيبعة الحال فهو أمر غير أخلاقي، هل أنت غير أخلاقي اذن ؟

مغالطة رجل القش في هذا المثال واضحة، وهي أن X قام بتزوير بعض المعلومات التي قالها Y، وذلك بأن استنتج من استنتاجه الشخصي معنى الكلام الذي قاله Y، فالشخص Y في الحقيقة لم يقل أنه مع القتل ولم يُحرض على القتل كما استنتج X، وإنما قال أن الإجهاض متروك للمرأة.

المعلومة الحقيقية: الإجهاض هو أمرٌ متروك للمرأة وليس لنا الحق في التدخل.
رجل القش (المعلومة المزورة): إذا قلت أن الإجهاض أمر متروك للمرأة فهذا يعني أنك تؤيد فكرة قتل إنسان وبالتالي أنت تحرض على القتل.
لكمات موجّهَة إلى رجل القش: أنت تحرض على القتل، أنت قاتل، أنت غير أخلاقي.

للرد على X، كل ما على Y أن يقوله هو ” أنا لم أقل هذا الكلام إطلاقا، كل ما قلته أن الإجهاض أمر متروك للمرأة وهذا لا يعني بالضرورة أنني أحرض على الإجهاض أو القتل عموما”.

إن الاستنتاجات الشخصية تكون أساس هذه المغالطة في كثير من الأحيان، فالاستنتاجات الشخصية تُزور المعلومات الأصلية وبالتالي فدحض أو نقد هذه الاستنتاجات لا يعني بالضرورة دحض الفكرة الأصلية.



مثال 2: مغالطة رجل القش في الاستناد إلى شخصية ضعيفة

لنفترض الآن شخص يقوم بمحاضرة حول موضوع معين، ولنقل على سبيل المثال أن الموضوع المطروح هو ” العلمانية “.

يبدأ المحاضر بإلقاء تعريف عن العلمانية، ثم يتطرق إلى أهداف، أساسيات، أهمية العلمانية، وينتهي بخلاصة مثلا مفادها أن العلمانية هي نظام سياسي جيد من أجل تحضر الدول …الخ، وعند نهاية المحاضرة، قام المحاضر بإعطاء فرصة للجمهور بطرح أسئلة أو من أجل إنتقاد الموضوع.

وبعد نهاية المحاضرة، قام شخص من الجمهور وحاول انتقاد موضوع المحاضرة قائلا: ” إن العلمانية تعني الإبتعاد عن الدين، وكلنا نعلم أن العلمانيون هدفهم الوحيد هو محاربة الدين، ولا شك أنكم شاهدتم فيديو عن العلماني فلان الذي اتضح أنه يمارس العنف على زوجته، فكيف يمكننا الإعتماد على أفكار هؤلاء العلمانيين الذين يدّعون التحضر وهم أصلا لا يطبقون هذا التحضر في حياتهم. كيف لشخص يمارس العنف على زوجته أن يدعو إلى التحضر ؟ “

في هذا المثال تتضح مغالطة رجل القش في الاستناد إلى شخصية ضعيفة ثم مهاجمتها ودحضها على أساس الهجوم على الشخص Y، وسواء كانت قصة العلماني الذي مارس العنف ضد زوجته صحيحة أو خاطئة، فالهدف منها هو تشويه فكرة المحاضرة والمعلومات التي قدّمها المُحاضر.

ولكي يخرج المُحاضر بجواب معقول وراقي، فكل ما عليه فعله هو أن يكشف عن هذه المغالطة بأن يقول “أنا لم أقل أن العلمانية تعني الإبتعاد عن الدين، ولا يهم إذا كان العلماني فلان أو أي علماني آخر يعنف زوجته، لأن هذا ليس موضوعنا”.


خلاصة

تهدف مغالطة رجل القش إلى تشويه وتزوير الأفكار أو الحجج أو المعلومات سواء عن طريق الاستنتاج أو الإستناد إلى شخصية ضعيفة تؤيد نفس الأفكار ومهاجمتها ودحضها.

تعتبر هذه المغالطة من المغالطات المشهورة التي قد تجدها في الكثير من المحاضرات والنقاشات، وخاصة النقاشات الجدلية والحججية، ولكي تكشف عن هذه المغالطة، كل ما عليك فعله هو التأكد من أصل الأفكار والمعلومات المطروحة، وأن تضع في الحسبان الاستنتاجات الشخصية التي قد تكون مشوهة.



أمثلة صغيرة إضافية

“أنت تقول أن على الدولة أن تهتم بالتعليم، وماذا عن الصحة ؟ هل تريدنا أن نموت بالأمراض ؟”

“أنت تقول أنك تدافع عن حقوق المثليين، هل أنت مثلي ؟ هل تريد نشر الرذيلة في المجتمع ؟”

“أنت تؤيد نظرية التطور، وبالتالي فأنت تعتقد أن جدك قرد، وهو أمر مضحك وسخيف”

“أنت تقول أن الجلوس أمام الحاسوب يُضرّ بالصحة، لكنك تتغاضى عن كل إيجابيات الأنترنت، هل تريدنا أن نبقى جهلاء بدون أنترنت ؟”


Avatar for فكر حر

كُتب بواسطة فكر حر

التعليقات

اترك تعليقاً

Avatar for فكر حر

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0